الرئيسية / ARTICLES / تحليل سيكولوجي للعلاقة بين الاستبداد و التخلف

تحليل سيكولوجي للعلاقة بين الاستبداد و التخلف

يعد التخلف مرادفا و لازما للدول التي تتصف بأنظمة استبدادية تحرم الناس حقوقهم الأساسية , فالجهل و التخلف كلها عوامل أساسية لازمة لبقاء النظام الاستبدادي قائما , ان الانسان الجاهل غير قادر على أن يتفهم قيمته الحقيقية كانسان و هكذا فحينما يجود عليه الديكتاتور بالقليل يرى ذلك كرما منهم لا حقا يمتلكه , أكياس الطحين ثارة أو قفة رمضانية لا تتجاوز قيمة محتوياتها 100 درهم ثارة أخرى .

3196569375_41af9b04b4

تتعدد المقاربات و الطرق التي يتم من خلالها دراسة التخلف كظاهرة انسانية , كما أن المصطلح نفسه لا يصير واضح المعالم الا اذا ارتبط بحقل علمي ما , ليصير لدينا التخلف الاقتصادي و التخلف الاجتماعي … , الا ان هاته العلوم في دراستها لهاته الظاهرة بدأت تصب في بعضها بعض , فالعلوم الاجتماعية خرجت من النطاق الضيق لدراسة التخلف بشكل داخلي و بدأت تربطه بالعلاقة بين الدول الصناعية و النامية اي ما هو سياسي , و العلوم الاقتصادية هي الأخرى بدأت تصب فيما هو اجتماعي لتؤكد على ضرورة أخذ البنى الاجتماعية بعين الاعتبار , وهكذا بدأت تتوحد هاته العلوم و المقاربات المختلفة لتصل الى نفس النتيجة وهو أن التخلف حصيلة استغلال فئة قليلة لفئة كبيرة , أم الدراسات السيكلوجية فهي الأخرى تتوحد مع باقي الدراسات لتصرح و بجلاء أن الانسان المتخلف أو الجاهل هو ثمرة الاستعباد و الاستغلال . 

الطريقة الأكثر شيوعا لدراسة التخلف هي أخذ الظاهرة من حيث أعراضها فأبحاث الأمم المتحدة مثلا تدرس التخلف من حيث الفقر و الحالة الصحية و التعليمية و الغذائية و أيضا مستوى الدخل الفردي , الا أن هاته الطريقة تدرس أعراض الداء و لا تصف الدواء , و هكذا ترفع شعارات من قبيل محاربة الفقر أو اصلاح النظام التعليمي وهو الأمر المستحيل في ظل بقاء العلاقات المنتجة التي صنعت هاته الظواهر الاجتماعية و كرست لتوجدها , الا ان هاته المقاربة نفسها و رغم عجزها تصف لنا و بشكل لا شعوري حجم المعانات التي صنعتها الأنظمة المستبدة , فثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون حالة المجاعة , و برأي لاكوست فان انسان العالم الثالث يتعرض الى سوء توزيع الثروات داخليا و أيضا الى انعدام التكافؤ بين ما يتم تصديره للبلدان المتقدمة و ما يقدم اليه لاستهلاكه الشخصي , هذا الأمر يفرض توفر مقاربة اقتصادية لدراسة التخلف و قد بدأت هاته المقاربة بدراسة أدوات الانتاج و التقنية الصناعية لتتجه فيما بعد الى دراسة علاقات الانتاج داخل المجتمع المتخلف وهو أمر أكثر عمقا و شمولية من اعتبار التخلف الصناعي على سبيل المثال مجرد بدائية الانتاج , تتميز البلدان المتخلفة عموما بطابع سكوني من الناحية الاقتصادية , و بانتاجية ضعيفة ترد في الغالب الى أدوات الانتاج الضعيفة , هاته الانتاجية الضعيفة هي ما تخلق دخلا فرديا ضعيفا و بالتالي الفقر , وواقع الحال انه في اغلب البلدان المتخلفة هناك ثروات هائلة ما يسمح باقامة انتاج صناعي , الا ان الشركات و المقاولات تبقى حكرا على طبقة صغيرة جدا تراكم ثروتها الشخصية و حسب , ما يترك للمواطن خيارين فحسب ان يتوجه الى الحرف اليدوية ذات الانتاجية الضعيفة أو أن يبيع قوة عمله داخل هاته المصانع التي لا يغذوا العمل فيها الا عبودية نظرا لقسوة ظروفه و زهد الأجر المقدم , و تعد النساء الفئة الأكثر استهدافا من قبل هذا النوع من الاستغلال عموما , يتميز الاقتصاد المتخلف بثلاثة خصائص أساسية و هي تفكك النظام الاقتصادي و التفاوت في التوزيع و أخيرا التبعية للخارج , و يرجع سبب التفكك الاقتصادي في أن انواع الصناعات غير مرتبطة ببعضها البعض و لا تؤثر على بعضها البعض , على عكس الدول المتقدمة التي يعني تطور قطاع ما تطور الاخرى بالضرورة , أما التبعية للخارج فان ما يخلقها و يعززها هي تحالف الديكتاتوريات الحاكمة مع رأس المال الأجنبي بشكل لا يؤخذ بعين الاعتبار وضعية الشعب و لا قدراته , و هكذا يتم سن القرارات السياسية على اساس مصلحي طبقي .

كل تلك المقاربات و رغم أهميتها  أهملت الطابع السيكلوجي للفرد الذي لابد له أن يتواجد و يسير جنبا الى جنب مع بقية البنى الاقتصادية أو الاجتماعية , ان التخلف هو ظاهرة كلية ذات جوانب متعددة مما يمنحها تماسكا و صلابة ضد وسائل التغيير , ان التخلف النفسي هو نمط وجود و حياة يحدد للانسان نظرته لنفسه و الهدف من الحياة , أي ان التخلف النفسي في الانسان المتخلف هو ما يحدد نظرته للعالم و تفاعله معه , فبما يتصف هذا الانسان المتخلف ؟ , انه وقبل كل شيء الانسان الذي فقد كرامته و قدسية حياته , فالعالم المتخلف هو عالم سلب الانسانية و انتزاع الكرامة من الانسان , انه العالم الذي يحول الانسان الى سلعة و ليس غاية في نفسه , ان علاقة الانسان المتخلف بعالمه هي علاقة ضعف و خوف مستمرين أولا خوف من الطبيعة و قوانينها الأمراض و الزلازل و ما شابه و التي لا طاقة له بها , و ثانيا خوفه من السلطة التي تحكمه و تمارسه عليه القهر و انواع الحيل النفسية و تتحالف مع المستعمر بشكل واضح أو مقنع لضمان السيادة و صمت العالم , و هاته العلاقة القهرية تطبع جميع العلاقات الاجتماعية بالعالم المتخلف من أعلى الهرم الى اسفله , كل يمارس استبداده على الأضعف منه , الكبير على الصغير , الرجل على المرأة , الرئيس على الموظف … , ان الديكتاتوريات تدخل العنف الى عقول شعبها و بيوتهم بشكل دائم , و هذا هو ما يجعل العنف شائعا داخل المجتمع , لقد توضح لفانون في عمله كأخصائي نفسي بالجزائر في حقبة الاستعمار هذا الأمر , انتزاع الكرامة و عقد النقص التي زرعها المستعمر و احلال الخوف و المذلة و المهانة , فبدل الحوار هناك لغة السوط و العصا , وهي ما يطبع تعامل السلطة مع المواطنين في اشكالهم الاحتجاجية مهما كانت سلمية , و كلمة سلمية أمام نظام ديكتاتوري لا تعدوا أن تكون الا استسلامية , لأن الحق ينتزع و لا يعطى , و بهذا يتجاوز الفهم السيكلوجي للتخلف المعنى الشائع المقترن بالجهل ليعتبر ان التخلف هو كل هدر لقيمة الانسان و كرامته .

كخلاصة فان دراسة التخلف من منطلق سيكولوجي يظهر لنا أهمية الدفاع عن كرامة الانسان و حقوقه بكليتها , و ضرورة مواصلة العمل التنويري و التثقيفي , وهذان الأمران جزءان لا يقلان أهمية كما رأينا عن النضال السياسي بل يكملانه و يسيران معه جنبا الى جنب .

_________________________________

مراجع :

encyclopedia universalis vol V , development

Yves Locost , géographie du sous – développement, paris, 2éme éd . P,U,F,..1986

فالكووسكي , مشكلات تنمية العالم الثالث , بيروت , دار الخقيقة , 1971

د.ابراهيم سعد الدين , فرانز فانون و فلسفة العنف الثوري , مجلة ‘ دراسات عربية ‘ , السنة السادسة العدد 5 , بيروت 1970

 

عن andrias mrm

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*